الشيخ محمد رشيد رضا
89
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين فكل ما يدعوهم اليه من العمل بشرائع اللّه تعالى فهو دليل على ثبوت هذه الصفات الكاملة والعواطف السامية له صلّى اللّه عليه وسلّم بنص اللّه تعالى وهو أرحم بالمؤمنين وأرأف ، وكل شاق منها كالجهاد فهو منجاة مما هو أشق منه ، ولا شيء من الشاق منها ببالغ حد العنت ، للقطع في هذا الدين بنفي العسر والحرج . وصف اللّه تعالى رسوله بصفتين من صفاته العلى ، وسماه باسمين من أسمائه الحسنى ، بعد وصفه بوصفين هما أفضل نعوت الرؤساء والزعماء المدبرين لأمور الأمم بالحق والعدل والفضل ، وفي الصحاح والقاموس ان الرأفة أشد الرحمة . وجعلهما بعض اللغويين والمفسرين بمعنى واحد . وقال بعضهم ان الرأفة أخص لا تكاد تقع في الكراهية ، والرحمة قد تقع في الكراهية للمصلحة ، واختار الرازي انها مبالغة في رحمة مخصوصة من دفع المكروه وإزلة الضرر . وقال أستاذنا انها لا تستعمل إلا في حق من وقع في بلاء ، اختيارا لقول الرازي ( ص 12 ج 2 تفسير ) وأصح منه انهم تستعمل في مكان الضعف والشفقة والرقة كقولهم رأف بولده وترأف به وتقديمه على الرحيم هو الواجب كأنه قال رؤوف بضعفاء المؤمنين وأولي القربى منهم ، ورحيم بهم كلهم وتخصيص رأفته ورحمته ( ص ) بالمؤمنين ، في مقابلة ما أمر به من الغلظة على الكفار والمنافقين ، لا يعارض كون رسالته رحمة للعالمين ، كما هو ظاهر ، فان هذه الرحمة مبذولة لجميع الأمم لعموم بعثته ( ص ) ولكن منهم من قبلها ومنهم من ردها ، وقد بينا في تفسير ( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) انه انما أمر بذلك صلوات اللّه تعالى عليه لان الغالب على طبعه الشريف الرقة والرحمة والأدب في المقابلة والمعاشرة . وقد قال تعالى ( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) وفي التفسير المأثور عن ابن عباس ( رض ) في الآية ( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) قال ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي ( ص ) مضريها وربيعيها ويمانيها . يعني ان نسبه متشعب في جميع قبائل العرب وبطونها . وعنه في ( عزيز عليه ما عنتم ) قال شديد عليه ما شق عليكم ( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ) أن يؤمن كفاركم